تمرّ ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر وبدء واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ بحق الشعب الفلسطيني، التي ارتكبتها إسرائيل بذريعة هجوم حماس. ثلاث سنوات شهد خلالها العالم الإبادة الجماعية الشاملة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة الفلسطينية، بدعم وتعاون من العديد من الحكومات الغربية. ومن الواضح، بالطبع، أن إسرائيل لم تتوانَ عن ارتكاب أي جريمة بحق الشعب الفلسطيني منذ تأسيسها وحتى اليوم، وأن قسماً كبيراً من الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الحكومة الأمريكية، كان طوال هذا التاريخ داعماً لها وشريكاً في جرائمها. لكن السنوات الثلاث الماضية كانت مختلفة من جميع النواحي. فقد جرت هذه المرحلة وهذه الجرائم في خضم تحولات كبرى في العالم، ولم تكن مكانة الولايات المتحدة وإسرائيل خلالها يشبه إطلاقاً مكانتهما في المراحل السابقة. لقد وقعت الأحداث والجرائم الأخيرة في مرحلة تراجع النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، ومرحلة إضعاف مكانة أمريكا العالمية، ومرحلة التشتت داخل المعسكر الغربي الذي تقوده، فضلاً عن مرحلة تراجع مكانة أمريكا في الشرق الأوسط، إلى جانب الوضع المأزوم لإسرائيل.

خلال هذه السنوات الثلاث، سعت إسرائيل، بكل ما لديها من إمكانات، إلى إبادة الشعب الفلسطيني والقضاء عليه بالكامل، بدءاً من غزة، ثم امتداداً إلى الضفة الغربية، واحتلال المنطقتين وربطهما بإسرائيل، بدعم من الدول الغربية. لقد أثارت هذه الظاهرة، وحجم الجرائم والوحشية التي أرتكبتها الدولة الفاشية الإسرائيلية، والدعم العلني وغير المحدود الذي قدمته الدول الغربية لها، غضب الشعوب المحبة للحرية والإنسانية في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في الدول الغربية، ضد إسرائيل، ودفعها إلى التضامن مع الشعب الفلسطيني. وقد تحوّل التضامن مع الشعب الفلسطيني خلال هذه المرحلة إلى معيار للدفاع عن الإنسانية في جميع أنحاء العالم.

خلال هذه السنوات الثلاث، ووفقاً للتقارير الرسمية، بما فيها التقارير المعتمدة من الأمم المتحدة، قُتل أكثر من ٧٤ ألف فلسطيني على يد إسرائيل في غزة وحدها، ووفقاً لتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في يونيو ٢٠٢٦، كان من بين هؤلاء ٢٠ ألفاً و١٧٩ شخصاً دون السن القانونية. ووفقاً لتقارير المؤسسات الرسمية، هناك أيضاً نحو ٨ آلاف فلسطيني قُتلوا وما زالت جثامينهم تحت الأنقاض، ولم تُدرج أعدادهم ضمن الإحصاءات المعلنة للقتلى. وتُعد إسرائيل، التي تحتل حالياً ٧٠ في المائة من غزة، العائق الرئيسي أمام التحقيق والعثور على الجثامين تحت الأنقاض. وخلال هذه الفترة، ووفقاً لإحصاءات نقابة الصحفيين الفلسطينيين، قتلت إسرائيل ٢٦١ صحفياً وعاملاً في وسائل الإعلام في غزة. وفي الفترة نفسها، واستناداً إلى إحصاءات الأمم المتحدة، قتلت إسرائيل في غزة وحدها ١٧٠٠ من الكوادر الطبية و٥٨٨ من العاملين في مجال الإغاثة، من بينهم ٣٩٦ موظفاً في الأمم المتحدة. وإلى جانب ذلك، فإن تدمير غزة، وتهجير سكانها، وتجويعهم، وانتشار مختلف الأمراض، فضلاً عن تدمير البنية التحتية والجسور ومئات المدارس والمستشفيات ورياض الأطفال، وإحراق البساتين وتدمير كل ما يتيح إمكانية الحياة، وجرائم المستوطنين واحتلالهم ومصادرتهم أراضي الشعب الفلسطيني وممتلكاته وأماكنه، إضافة إلى اعتقال الأسرى الفلسطينيين وسجنهم وتعذيبهم، ليست سوى جزء من جرائم السنوات الثلاث التي ارتكبها جزارو الشعب الفلسطيني والحكام المسيطرون على إسرائيل.

لقد مرّ الآن عام على السلام المفروض وفقاً لخطة ترامب، وهو عام لم تتوقف فيه جرائم إسرائيل وقتلها للشعب الفلسطيني ولو لساعة واحدة. وقد بدأت خطة ترامب للسلام في العاشر من أكتوبر ٢٠٢٥ بالإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار. وبصرف النظر عن طبيعة هذه الخطة، التي كانت عملياً وسيلة لإنقاذ إسرائيل من مأزق حربها الإجرامية في غزة، فإن إسرائيل دفعت هذه الخطة هي الأخرى عملياً إلى طريق مسدود. فلم يكن هناك خلال العام  الماضي سلام حقيقي، ولا وقف لإطلاق النار من جانب إسرائيل ولو ليوم واحد. وخلال الفترة نفسها، أي منذ العاشر من أكتوبر ٢٠٢٥ وحتى الآن، قُتل أكثر من ١٥٠٠ فلسطيني وأُصيب ٥٥٠٠ آخرون. وفي الضفة الغربية، ووفقاً لتقارير المؤسسات الموثوقة، أُقيم ٩٥٠ حاجزاً عسكرياً وترابياً وبوابة حديدية، قُطعت من خلالها العلاقات بين المدن والقرى الفلسطينية. وخلال الفترة نفسها، شهدنا أخباراً عن جرائم المستوطنين في الضفة الغربية خلال موسم قطف الزيتون. فهم يهاجمون المزارعين الفلسطينيين، ويسرقون محاصيلهم، فضلاً عن قطع أشجار الزيتون وتدميرها.

واليوم، رغم مرور عام على ما يُسمّى بوقف إطلاق النار، ورغم انخفاض حدة المواجهات، لم يُتخذ أي إجراء فعّال لإعادة سكان غزة إلى الحياة الطبيعية. فما زالت الهجمات وعمليات القصف الإسرائيلية مستمرة، وتحصد أرواح سكان غزة، كما تتواصل الاعتقالات والهجمات على السكان في الضفة الغربية. يعيش مليونان ومئة ألف إنسان في شريط ضيق يُسمّى غزة، وهو عبارة عن أنقاض، ويقع ٦٥ في المائة منه تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويعيش هؤلاء الناس في مساحة ضيقة جداً، ذات كثافة سكانية مرتفعة للغاية، لا تتجاوز مساحتها نحو ١٢٨ كيلومتراً مربعاً، وهم في الحقيقة سجناء فيها. ووفقاً لتقارير مؤسسات مختلفة، فإن ٩٤ في المائة من سكان غزة لا يملكون مأوى، فيما يعاني ما لا يقل عن ٩٠ في المائة من السكان في هذا الشريط من نقص حاد في المياه والمواد الغذائية، كما أن إسرائيل دمّرت النظام الصحي بأكمله. وتمنع إسرائيل إيصال المساعدات المحدودة التي تقدمها المؤسسات الدولية، ومنها الأونروا، إلى هؤلاء السكان.

لكن إسرائيل ووحشيتها المنفلتة من كل قيد لا تنبعان من القوة، وليستا كل الحكاية! فعلى الرغم من السنوات الثلاث الماضية، وعلى الرغم من جميع الجرائم وعمليات القتل التي ارتكبتها الدولة الفاشية الإسرائيلية، باتت مكانة إسرائيل في العالم والمنطقة أسوأ بكثير مما كانت عليه في السابق. إن القضية الفلسطينية وجرائم إسرائيل، المستمرة منذ عقود، وصلتا خلال هذه السنوات الثلاث إلى مرحلة تجاوزت فيها إسرائيل جميع الحدود والخطوط الحمراء، حتى تلك التي وضعتها الحكومات الداعمة لها. وخلال هذه الفترة، اشتهر حكام إسرائيل، انطلاقاً من القضية الفلسطينية، بوصفهم جزارين للبشر ومجموعة من القتلة ومجرمي الحرب. إن ذبح الشعب الفلسطيني على يد إسرائيل، والدعم المطلق الذي تقدمه الحكومات الغربية لها، أمران يعودان إلى عمر إسرائيل البالغ ٧٩ عاماً. لكن هذه المرحلة، وما شهدته من احتجاجات عالمية ضد إسرائيل وداعميها من جهة، ومن مستوى الوحشية والتسلط والقتل والجرائم من جهة أخرى، كانت علنية وفاضحة إلى حد أنها كسرت حتى صمت وسائل الإعلام المنحازة إلى إسرائيل. فقد انهارت جدران الرقابة خلال هذه المرحلة، وظهر «الأمراء» في إسرائيل وفي جميع الدول الغربية «المتحضرة والديمقراطية» عراةً ومكشوفين أمام العالم، بوصفهم داعمين وشركاء لإسرائيل في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.

لقد أسهمت القضية الفلسطينية وحركة الدفاع عن شعبها المحروم في إحداث صحوة عامة في العالم، لم تعد مقتصرة على فلسطين ومعارضة الإبادة الجماعية الإسرائيلية. فقد تحولت فلسطين إلى رمز أتاح للبشرية المتحضرة في جميع أنحاء العالم أن تعيد النظر في ماضيها وفي علاقتها بحكوماتها «الخاصة». وقد أدت هذه المراجعة وإعادة النظر إلى نهضة تمثلت في انهيار المعتقدات السابقة والأوهام المتعلقة بالحكومات والأحزاب التقليدية والبرلمان والنظام البرلماني في الغرب، وكشفت عن وجهها الحقيقي المعادي للإنسانية، سواء في موقفها من الشعب الفلسطيني أو في موقفها من الطبقة العاملة والفئات المحرومة في المجتمعات الغربية. وقد ارتبط النضال من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني خلال هذه الفترة بالنضال من أجل الرفاه وتحسين ظروف الحياة داخل المجتمعات الغربية نفسها، وبالنضال من أجل تقليص الحروب والعسكرة التي تنتهجها الحكومات الغربية وإنهائهما.

وقد أبرزت هذه الحقائق مكانة الطبقة العاملة في الحركة العالمية للدفاع عن الشعب الفلسطيني. فخلال هذه السنوات الثلاث، أسهمت الطبقة العاملة العالمية، في مختلف أنحاء العالم، من خلال إغلاق الموانئ، والإضرابات في مصانع الأسلحة والمراكز الصناعية المهمة، والدعوة إلى إضرابات عامة في بعض البلدان، ومنها إيطاليا، والدعوة إلى التجمعات والمظاهرات التي شارك فيها مئات الآلاف في الدول الغربية، من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها، في تشكيل صراع جذري أثار الرعب والخوف لدى الحكومات الحاكمة، ولا سيما الحكومات الداعمة لإسرائيل.

وخلال اليومين الماضيين، وبمناسبة العاشر من أكتوبر، الذي تحوّل عملياً إلى يوم للدفاع عن الشعب الفلسطيني والتضامن معه، خرج ملايين الأشخاص إلى التجمعات في جميع أنحاء العالم، مطالبين بوقف جرائم إسرائيل، وإنهاء الاحتلال، ووقف الدعم والمساعدات المقدمة لإسرائيل، وإنهاء العسكرة. ووفقاً لتقارير مختلفة، نُظّمت تجمعات في أكثر من ٢٥٠ مدينة في ٦٠ دولة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيرلندا وألمانيا وإسبانيا واليونان وكندا والسويد والدنمارك والنرويج وسويسرا وبولندا والمكسيك والبرازيل وتشيلي وأستراليا وغيرها. وعلى سبيل المثال، شارك ٢٥٠ ألف شخص في المظاهرة التي شهدتها لندن وحدها. إن خروج هؤلاء الناس إلى الشوارع في مختلف أنحاء العالم، ضد وحشية إسرائيل، دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في الحياة، ومطالبةً بإنهاء الجرائم والاحتلال، يمثّل ظاهرة مشرقة في عالم تحكمه الوحشية الرأسمالية. وهذه الظاهرة، التي تكررت مرات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، حطّمت جميع الحدود الجغرافية، وأسهمت في تشكيل حركة عالمية للدفاع عن حقوق الإنسان وحق الحياة والعدالة الاجتماعية، انطلاقاً من القضية الفلسطينية. كما تحوّلت الدعوة إلى الإضرابات العامة خلال هذه الفترة، ومنها الإضرابات التي دعا إليها العمال والنقابات والمنظمات العمالية في إيطاليا قبل بضعة أشهر، عملياً إلى نموذج يحتذى به في سياق احتجاجات هذه المرحلة.

إن دور الطبقة العاملة في هذه الحركة واضح تماماً. وهذه الحقيقة، إلى جانب تنامي الاحتجاجات العمالية في العديد من بلدان العالم ضد الفقر والاستغلال، وضد العسكرة وتوسيع النفقات العسكرية على حساب حياة الناس، قد وحّدت عملياً بين إنقاذ الشعب الفلسطيني والنضال من أجل الرفاه والمساواة والعدالة الاجتماعية. وقد حطّمت هذه الحركة الجدران الوطنية والقومية والحدود بين البلدان وغيرها. وأسهمت هذه الحقائق في العالم في تشكيل اصطفافات سياسية واجتماعية أكثر وضوحاً.

وليس إيران استثناءً من هذه الحقيقة. فقد أدت ظاهرة فلسطين ومواجهة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، ثم الهجوم العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران، أي كلا الظهرتان  إلى تعميق الاستقطاب السياسي بصورة شاملة داخل الحركات والأحزاب والتيارات في إيران أيضاً. ولم تنجح محاولات الجمهورية الإسلامية لالتقاط الصور مع القضية الفلسطينية وإبراز مظلومية شعبها، وفي الوقت نفسه رفع ايران شعار معارضة الحرب خلال فترة الهجوم على إيران، في حرف الطبقة العاملة والفئات المحرومة في المجتمع الإيراني عن مسار نضالها. وهو مسار ربط بين الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ومواجهة الإبادة الجماعية وجرائم الدولة الإسرائيلية، ورفض الحرب والهجوم العسكري وقصف المجتمع الإيراني، من جهة، وبين نضال هذه الفئات من أجل الرفاه والحرية والمساواة في المجتمع الإيراني وإسقاط الجمهورية الإسلامية، من جهة أخرى. إن هذه الظاهرة، على الصعيد العالمي وفي المجتمع الإيراني على حد سواء، تبشّر بتحولات مهمة، واستقطاب جدي، ونهضة إنسانية وتقدمية، تدفع إلى الواجهة الحاجة إلى الشيوعية وآفاق الثورة العمالية بوصفها حلاً.

١٢ أكتوبر ٢٠٢٦